مقدّمة
ظهر عمودٌ داكن من الدخان على صورة القمر الصناعي في شاشتنا المشتركة. كنّا نحاول تحديد موقع إحدى قرى الأهوار. تقاطعت الصورة مع شهادات الأهواريين المقيمين قرب هور الحويزة، وسط آبار النفط، عن معاناتهم مع الهواء السام. بنقرةٍ وسحبٍ لصورة القمر الصناعي، أشار أحد الأهواريين إلى مصدر الدخان: شعلة لحرق الغاز في حقل نفطي، على بُعد كيلومتر واحد من قرية أخرى، قريبة إلى حدّ أنّ كلتيهما تظهران في الإطار نفسه من دون الحاجة إلى تصغير الصورة. بدأ يرسم مضلّعًا حول الحقل النفطي. وقبل أن يُغلقه، أخذ يحدّثنا عن اللحظة التي رأى فيها لأول مرة الآليات وهي تمهّد الأرض لما سيصير حقلًا.
بدأنا، نحن فرح وآمنة، هذا البحث بوصفه تحقيقًا مكانيًا منهجيًا في الانتهاكات البيئية التي ترتكبها صناعة استخراج النفط في هور الحويزة جنوب العراق. ولأنّ الوصول إلى هذا الهور مقيّدٌ بشدة، عقدنا ورش عملٍ تشاركية لرسم الخرائط عبر الإنترنت مع المساهمين الأهواريين. كان هدفنا أن نقرأ صور الأقمار الصناعية وخرائط الهور من خلال ما يعيشه الأهواريون ومعرفتهم المتجذّرة في المكان، وأن نفكّر معهم في كيف يمكن للاستشعار عن بُعد ورسم الخرائط أن يدعما مطالبتهم بالهور وطنًا لهم. أعددنا أسئلةً لنطرحَها، ومواقعَ لنحدّدَها، وتدفّقاتٍ بيئيةً لنتتبّعَها، وبياناتٍ جغرافيةً لنتحقّقَ منها، وفرضيّاتٍ لنختبرَها.
لكنّ لقاءاتنا سرعان ما تحوّلت إلى جلساتٍ لرواية الحكايات. في كل ورشة، كانت هيئة جلوسنا تتبدّل: من الانحناء على شاشةٍ مقسومة بين صورة قمرٍ صناعي وخطة الورشة، إلى الاتكاء إلى الوراء، ورؤوسنا مسنودةٌ على أيدينا، نصغي ونتلقّى ثِقَل ذكرى أو حكاية عن العيش بين أرضٍ رطبة تنكمش وحقول نفطٍ تتمدّد. كانت الحكايات تنبثق كلما قرّبنا الصورة من حافة مسطّحٍ مائي، أو ظلال البيوت، أو الزوايا الحادة لبئر نفط، أو سدّةٍ ترابية تشقّ الهور. ملأت الورشةَ والخريطةَ حتى لم نعد نعرف ما الذي يقودهما: خطط بحثنا أم حكاياتهم.
على مدى عامٍ من الورش، ظلّ المساهمون يذكّروننا بأنّ صورة القمر الصناعي التي كنّا ننظر إليها لم تعد تُظهر ما هو موجود الآن. حقل الشلب صار مثقوبًا ببئر نفط. والمسطّح المائي الذي كان الأهواريون يصطادون فيه جُفّف للتنقيب عن النفط. وأشاروا أيضًا إلى ما كان موجودًا قبل أن تلتقطه الأقمار الصناعية. فثمّة رقعةٌ من اليابسة كانت يومًا جزءًا من هور الحويزة، وكان ماؤها عميقًا بما يكفي ليجدّف جدّ أحد المساهمين في السبعينيات بمشحوفه من قريته إلى مدينة الكحلاء. ومن خلال ذلك الماء، لم يكن شيءٌ يمنع الأهواريين من عبور الحدود إلى الأهواز في إيران والعودة منها.
وبين ورشةٍ وأخرى، ظلّت الأخبار تتوالى: حرائق تلتهم القصب في الهور على الحدود العراقية الإيرانية، واحتجازُ أحد المساهمين الأهواريين وإقامة دعوى قضائية عليه بسبب نشاطه البيئي.
في نظر السلطة، لا يكمن غنى هور الحويزة في بيئته أو تنوّعه الحيوي أو تاريخه الثقافي، بل في النفط القابع تحت تربته. وقد عرّض هذا المنطقُ الهورَ وسكانه لعقودٍ من تدخّلات القوى الاستعمارية والإمبريالية والدولة. وعلى امتداد تاريخه، وُصف الهور بأنّه مستنقعٌ غير منتج، أو أرضٌ بور، أو تهديدٌ للأمن الوطني. جعلت هذه السرديات كل تدخلٍ يبدو ضروريًا وحتميًا. كانت الخطوة الأولى تصوير الهور من الجو ورسم خرائطه، قبل أن تُقام عليه السدود ويُقسَّم ويُجفَّف ويُسوّى ويُتقاتَل عليه ويُثقَب ويُلوَّث، من أجل العثور على نفطه واستخراجه وحمايته.
بعبارةٍ أخرى، لطالما خدم رسمُ الخرائط والتصويرُ تجفيفَ الهور. وصورة القمر الصناعي هي شكلهما المعاصر: نظرةٌ من الأعلى، كثيرًا ما تُقبَل بوصفها سجلًّا موضوعيًا يمكن أن يُفرض عليه منطق الاستخراج. دخلنا هذا البحث واعين بما فيها من بُعدٍ وتجريد. ما كان ينقصنا هو طريقةٌ أخرى لقراءتها. والحكايات التي رواها الأهواريون، تلك التي غالبًا ما قُمعت أو مُحيت أو عوقب أصحابها عليها، منحتنا تلك الطريقة. صارت صورة القمر الصناعي مُحفّزًا يستدعي حكاية، والحكاية بدورها علّمتنا كيف نقرأ الصورة. بعض الحكايات أضاف دقّةً إلى الصورة أو بياناتٍ جديدة إلى طبقةٍ من طبقات الخريطة. وبعضها صحّح ما بدت الصورة تُظهره، أو حمل صورةً منفردة إلى الوراء وإلى الأمام في الزمن، أبعد من لحظة التقاطها.
تدعوكم «مختارات أهوارية: بين الماء والنفط» إلى قراءة الهور كما علّمنا الأهواريون أن نقرأه. تبدأ كل قصة من لحظةٍ، ومكانٍ، وحياةٍ أهوارية في مواجهة استخراج النفط، وتتتبّع التواريخ والاستراتيجيات المكانية التي شكّلت تلك المواجهة. تقود أصواتُ الأهواريين كلَّ قصة، وتتراكب معها كتاباتنا، وصور الأقمار الصناعية، والخرائط، والصور الفوتوغرافية، ومقاطع الفيديو، والوثائق، والمواد الأرشيفية، لتؤلّف أرشيفًا مكانيًا للهور ينمو مع كل قصةٍ جديدة. هنا، تغدو كل قصةٍ عن الظلم قصةً عن الماء أيضًا.
في صيف عام 2025، بدأ المساهمون الأهواريون يرسمون مضلّعاتٍ حول آبار النفط المحيطة بقراهم. ولم يتوقّفوا حتى اليوم.