الأهواري الأخير وجواميسه المئة




كاظم و زوجته و جواميسهما عاشوا أقرب إلى هور الحويزة من أي أهواري آخر. قريبين لدرجة أنه، في و قت من الأوقات، لم يكن بالإمكان تحديد أين تنتهي الأرض اليابسة التي يقوم عليها منزله و أين تبدأ مياه الهور. و منذ عودة أهل الأهوار بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق و سقوط نظام البعث، لم يعد أحدٌ قادرًا على البناء في الهور و حوله كما يتذكّرون أيام نشأتهم، قبل تهجيرهم القسري في الثمانينيات والتسعينيات. قبل أن يرحل، لم يكن لكاظم سوى جارٍ واحد: محطة إدارة ومراقبة هور الحويزة. شيّدها مركز إنعاش الأهوار والأراضي الرطبة العراقية، التابع لوزارة الموارد المائية، بعد إدراج الهور على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2016. وتتمثّل مهمة المحطة في رصد تعافي الهور البيئي والإشراف على إدارته المستدامة. سبق المحطةَ مضيفُها، وهو دار ضيافة من القصب شُيّد وفق طرق البناء الأهوارية التقليدية. ويستقبل المضيف المسؤولين والوفود الأجنبية الذين يأتون للتعرّف على الثراء البيئي للهور، الذي أهّله للإدراج على لائحة التراث العالمي لليونسكو، وللاعتراف به أرضاً رطبة ذات أهمية دولية بموجب اتفاقية رامسار. من جهة، يعبّر قرب كاظم من الهور عن علاقة موروثة عن الأجداد ببيئته. ومن جهة أخرى، يمكن قراءة قرب المحطة ومضيفها منه بوصفه مرتبطًا بإخراج عرضٍ لحماية الهور.



لم تكن الجواميس يوماً مجرد ماشية. فهي رفاق وأصدقاء، لكل منها اسمها الخاص، وهي جزء من إيقاع الهور وأسلوب حياة بأكمله. كانت تُعيل الأسر: تُباع منتجاتها الحليبية في الأسواق القريبة، ويُباع لحمها أحياناً، ويُجفَّف روثها ليتحول إلى وقود وسماد. وفي الهور، كانت تؤدي عملاً بيئياً من خلال رعي النباتات المتشابكة، وفتح الممرات المائية، وتحويل القصب إلى مورد قابل للاستخدام. لم يكن القطيع مِلكًا بقدر ما كان جزءًا لا يتجزأ من الأسرة. فبيعُه لم يكن مجرد عملية تجارية، بل كان بمثابة التخلي عن نمط حياة بأكمله. بما أن الجاموس لا يملك إلا القليل من الغدد العرقية، فإنه يقضي أكثر من عشر ساعات يوميًا مغمورًا في الماء لينجو من الحر، متغذيًا على القصب الذي ينبت في الهور. ومع جفاف الهور يومًا بعد يوم، بات بيع الجواميس أهون من مشاهدتها تموت دون جدوى.

لم يملك كاظمٌ أن يبيع غير الجاموس؛ أمّا الأرضُ، فلا تُباع. لم يُمنح الأهواريون يومًا وثائق تثبت ملكيتهم لأراضي أجدادهم أو مياههم. فقد كانوا يعيشون على جزرٍ من القصب فوق مياه الهور، يعيدون البناء كلّما تبدّلت الظروف، ويمضون حيثما مضت المياه. ولم يكن هذا النمط من العيش يومًا منسجمًا مع منطق الدولة في ملكية الأرض؛ فلم يكن بالإمكان مسح الأهوار وقياسها وترسيم حدودها وتقسيمها بانتظام إلى قطعٍ ثابتة. ومع ذلك، وجد نظام البعث سبلًا لفرض سطوته على الأهوار، وإن كان لغايةٍ مختلفة تمامًا.


في عام 1958، أقرّت حكومة عبد الكريم قاسم قانون الإصلاح الزراعي رقم 30، الذي فكّك النظام الإقطاعي القديم ووزّع أراضي الأهوار على الفلاحين بموجب عقود زراعة — أي حق الزراعة، لا حق التملك.


حتى ذلك الحقُّ في زراعة الأرض لم يدم طويلًا. فمنذ اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، ثم في أعقاب حرب الخليج وانتفاضة عام 1991، جفّفت حكومة صدام حسين الأهوار، واستصلحت الأرض، وهجّرت الناس الذين كانوا يزرعونها. أما من عادوا في السنوات التي تلت، فقد عادوا إلى أهوارٍ مجفّفة، وقرى جديدة، وحقول نفط، وأرضٍ لم تعد صالحة للزراعة. وأي أوراق كانت موجودة لم تصمد أمام تبدّل السلطات، و موجات التهجير، والتوسع في استخراج النفط.

منذ عام 2023، تفرض وزارتا الموارد المائية والزراعة في العراق حظرًا وقيودًا على الزراعة في محافظات ميسان وذي قار والبصرة.



الأرض نفسها التي كانت تُفرَّغ من الزراعة كانت، في تلك الأثناء، تُثقَب بآبار نفطٍ تتوغّل كلّ يومٍ أكثرَ فأكثرَ نحو بيت كاظم. أُبعِدت بعض العائلات إلى قضاء الكحلاء. وغادر آخرون، مثل كاظم، إلى مدينة البصرة. وبقي بعضهم، يعيشون على أطراف مناطق الاستخراج، يتنفسون هواءه السامّ، ويشربون ماءه الملوّث، ويُرغَمون على العمل لصالح الصناعة التي هجّرت جيرانهم.


ما حدث لكاظم كان أكبر من أن تفسّره أيّ سياسة. فهو لم ينتقل من هور الحويزة إلى البصرة فحسب، بل أُرغم على أن يطوي طريقةً في معرفة الماء: أيُّ القصب يُقطَع، وفي أيِّ المسالك المائية يُبحِر، وكيف يقرأ مئةَ جاموسٍ في مواجهة موسم. باع الأهواري الأخير ما أمكن بيعه، ولم يترك خلفه سوى ما تعذّر بيعه. وبقي هناك هورٌ يجفّ، والمحطة، ومَضيفُها، وضيوفُها، لكن لم يعد بينها آخرُ حارسٍ للأرض والماء، ذاك الذي عرف كيف يعيش بينهما.
أكثر شخص هو هنا موجود عنده جاموس، يعني هو الوحيد الليي حافظ على هذا العدد.
وبالأخير هسه باعها وانتقل وشال. هاجر إلى بصرة.

أنا أسميه الأهواري الأخير.
هذا الشخص اللي عنده أكثر من 100 جاموسة، اللي باعهن قبل تقريبا شهر.
سابقًا أقل واحد عنده 20 جاموسة.
كاظم و زوجته و جواميسهما عاشوا أقرب إلى هور الحويزة من أي أهواري آخر. قريبين لدرجة أنه، في و قت من الأوقات، لم يكن بالإمكان تحديد أين تنتهي الأرض اليابسة التي يقوم عليها منزله و أين تبدأ مياه الهور. و منذ عودة أهل الأهوار بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق و سقوط نظام البعث، لم يعد أحدٌ قادرًا على البناء في الهور و حوله كما يتذكّرون أيام نشأتهم، قبل تهجيرهم القسري في الثمانينيات والتسعينيات.

قبل أن يرحل، لم يكن لكاظم سوى جارٍ واحد: محطة إدارة ومراقبة هور الحويزة. شيّدها مركز إنعاش الأهوار والأراضي الرطبة العراقية، التابع لوزارة الموارد المائية، بعد إدراج الهور على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2016. وتتمثّل مهمة المحطة في رصد تعافي الهور البيئي والإشراف على إدارته المستدامة.
سبق المحطةَ مضيفُها، وهو دار ضيافة من القصب شُيّد وفق طرق البناء الأهوارية التقليدية. ويستقبل المضيف المسؤولين والوفود الأجنبية الذين يأتون للتعرّف على الثراء البيئي للهور، الذي أهّله للإدراج على لائحة التراث العالمي لليونسكو، وللاعتراف به أرضاً رطبة ذات أهمية دولية بموجب اتفاقية رامسار.

من جهة، يعبّر قرب كاظم من الهور عن علاقة موروثة عن الأجداد ببيئته. ومن جهة أخرى، يمكن قراءة قرب المحطة ومضيفها منه بوصفه مرتبطًا بإخراج عرضٍ لحماية الهور.

لم تكن الجواميس يوماً مجرد ماشية. فهي رفاق وأصدقاء، لكل منها اسمها الخاص، وهي جزء من إيقاع الهور وأسلوب حياة بأكمله. كانت تُعيل الأسر: تُباع منتجاتها الحليبية في الأسواق القريبة، ويُباع لحمها أحياناً، ويُجفَّف روثها ليتحول إلى وقود وسماد. وفي الهور، كانت تؤدي عملاً بيئياً من خلال رعي النباتات المتشابكة، وفتح الممرات المائية، وتحويل القصب إلى مورد قابل للاستخدام.
لم يكن القطيع مِلكًا بقدر ما كان جزءًا لا يتجزأ من الأسرة. فبيعُه لم يكن مجرد عملية تجارية، بل كان بمثابة التخلي عن نمط حياة بأكمله.

طبعًا هي الحياة هنا قائمة فقط بس على المياه. خصوصًا يعني الجاموس. مربين الجاموس سابقًا مو مثل هسة. تقريبًا أعدادهم كلش قلت.
بما أن الجاموس لا يملك إلا القليل من الغدد العرقية، فإنه يقضي أكثر من عشر ساعات يوميًا مغمورًا في الماء لينجو من الحر، متغذيًا على القصب الذي ينبت في الهور. ومع جفاف الهور يومًا بعد يوم، بات بيع الجواميس أهون من مشاهدتها تموت دون جدوى.
لم يملك كاظمٌ أن يبيع غير الجاموس؛ أمّا الأرضُ، فلا تُباع.

ماكو شي مسجل باسمنا. يعني مثل إحنا ما عندنا أوراق لأرضنا. هسة إحنا ساكنين هيچ...
لم يُمنح الأهواريون يومًا وثائق تثبت ملكيتهم لأراضي أجدادهم أو مياههم.
فقد كانوا يعيشون على جزرٍ من القصب فوق مياه الهور، يعيدون البناء كلّما تبدّلت الظروف، ويمضون حيثما مضت المياه. ولم يكن هذا النمط من العيش يومًا منسجمًا مع منطق الدولة في ملكية الأرض؛ فلم يكن بالإمكان مسح الأهوار وقياسها وترسيم حدودها وتقسيمها بانتظام إلى قطعٍ ثابتة. ومع ذلك، وجد نظام البعث سبلًا لفرض سطوته على الأهوار، وإن كان لغايةٍ مختلفة تمامًا.
في عام 1958، أقرّت حكومة عبد الكريم قاسم قانون الإصلاح الزراعي رقم 30، الذي فكّك النظام الإقطاعي القديم ووزّع أراضي الأهوار على الفلاحين بموجب عقود زراعة — أي حق الزراعة، لا حق التملك.


عبد الكريم قاسم سوا مثل مربعات لهاي الأرض، يعني هي چان مسطح مائي، مثل قرية معينة، ويزرعون داخله، يزرعون الشلب.
حتى ذلك الحقُّ في زراعة الأرض لم يدم طويلًا. فمنذ اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، ثم في أعقاب حرب الخليج وانتفاضة عام 1991، جفّفت حكومة صدام حسين الأهوار، واستصلحت الأرض، وهجّرت الناس الذين كانوا يزرعونها. أما من عادوا في السنوات التي تلت، فقد عادوا إلى أهوارٍ مجفّفة، وقرى جديدة، وحقول نفط، وأرضٍ لم تعد صالحة للزراعة.


يعني، حتى العقود الأصلية راحت.سكنت فيها ناس.
وأي أوراق كانت موجودة لم تصمد أمام تبدّل السلطات، و موجات التهجير، والتوسع في استخراج النفط.
ناس اللي حصلت عقودهم ولگوها ما صاير بيها منشآت أو قرى، بعد موجودة عندهم عقد زراعي، يعني بس هو يزرع بيها.
منذ عام 2023، تفرض وزارتا الموارد المائية والزراعة في العراق حظرًا وقيودًا على الزراعة في محافظات ميسان وذي قار والبصرة.

وزارة الموارد المائية شنو حجتها؟
الأرض نفسها التي كانت تُفرَّغ من الزراعة كانت، في تلك الأثناء، تُثقَب بآبار نفطٍ تتوغّل كلّ يومٍ أكثرَ فأكثرَ نحو بيت كاظم.

المساحة هاي كلها انباعت، مبيوعة،
يجون الشركات النفطية يعوضون الناس شي هامشي، لأن يتوقعون الناس، ومتأكدين من الناس همه فقراء يقبلون يبيعون.
اتشوفين هاي المساحات الخضراء وهاي الحقول النفطية هاي؟
أُبعِدت بعض العائلات إلى قضاء الكحلاء. وغادر آخرون، مثل كاظم، إلى مدينة البصرة. وبقي بعضهم، يعيشون على أطراف مناطق الاستخراج، يتنفسون هواءه السامّ، ويشربون ماءه الملوّث، ويُرغَمون على العمل لصالح الصناعة التي هجّرت جيرانهم.

هاي المنطقة هي أرضنا. ميصير تمشي لغير منطقة بعد وتسكن.
ما حدث لكاظم كان أكبر من أن تفسّره أيّ سياسة. فهو لم ينتقل من هور الحويزة إلى البصرة فحسب، بل أُرغم على أن يطوي طريقةً في معرفة الماء: أيُّ القصب يُقطَع، وفي أيِّ المسالك المائية يُبحِر، وكيف يقرأ مئةَ جاموسٍ في مواجهة موسم.
باع الأهواري الأخير ما أمكن بيعه، ولم يترك خلفه سوى ما تعذّر بيعه. وبقي هناك هورٌ يجفّ، والمحطة، ومَضيفُها، وضيوفُها، لكن لم يعد بينها آخرُ حارسٍ للأرض والماء، ذاك الذي عرف كيف يعيش بينهما.
المزيد من القصص قريبًا