بقايا الحرب

شواء السمك في الأهوار، العراق، 2025. فيديو: مرتضى الأهواري
مرتضى: فبسرعة طفّينا النار علمود لا تنفجر الصواريخ، لأن مجموعة…
بقايا حرب في هور الحويزة، العراق، 2025. فيديو: مصطفى الأهواري
مصطفى: چانت أكو دبابة شايفة بمدخل هور الحويزة، مگلوبة. يعني…
بقايا الحرب في هور الحويزة، العراق، دون تاريخ. تصوير: مصطفى الأهواري
شوي السمك على صاروخ

بعد يوم طويل من الصيد، أشعلت إحدى عوائل الأهوار النار على ضفاف الهور لشواء صيدهم الطازج من الأسماك. بينما كان الحطب يطقطق والسمك يكتسب لوناً ذهبياً، اكتشفوا فجأة صاروخاً من مخلفات حرب سابقة مختبئاً وراء النيران التي كانوا يُذكونها بحماسة. إن مصادفة المخلفات الحربية في الأهوار خلال ممارسة بسيطة من الحياة اليومية ليس بالأمر المفاجئ أو غير المألوف. إن عقوداً من الاحتلال والغزو وعنف الدول، مارستها الجيوش البريطانية والأمريكية و الإيرانية والعراقية، قد خلفت وراءها صواريخ و مقذوفات وذخائر لم تنفجر، بل بقيت مغروسة في كافة أنحاء الأهوار. إلا أنها وبعد فترة طويلة من إعلان انتهاء الحروب، تستمر في تشكيل حياة الناس هناك وتهديدهم. فبعضها مدفون في الوحل تحت سطح المياه، غير مرئي من الأعلى، والبعض الآخر عالق بين القصب الكثيف أو يقبع مكشوفاً على الأرض الجافة المتشققة، ويتزايد تفاعله مع ارتفاع درجات الحرارة وتآكل المعادن. نارُ طبخٍ فوق صاروخ. أطفالٌ يجمعون الحديد من دبابة مهجورة. جاموسةٌ راعية تطأ لغماً. زورقٌ يخرقه سلكٌ شائك وهو يعبر مياهاً طالما عبرها من قبل.

"خريطة نفط الشرق الأدنى والأوسط"، الطبعة السابعة. ب. أورتشارد ليزل، فورت وورث، تكساس، 1965. المصدر: مجموعة ديفيد رمزي للخرائط التاريخية
"مشاهد من المعركة: الفيلق السادس في معركة هور الحويزة"، هور الحويزة، 1988، نشره دريد عبد الوهاب على يوتيوب، 2025. المصدر: https://www.youtube.com/watch?v=bxjGnEcpA3k
"توزيع النفط الخام العراقي عام 1953" ضمن "نفط العراق عام 1953"، شركة نفط العراق المحدودة، لندن، 1953. المصدر: DAME، جامعة إكستر
مقتطف من «ذكرى عملية خيبر» — لقطات أرشيفية من الحرب العراقية الإيرانية لمعركة عام 1984 في هور الحويزة وجزيرة مجنون، وكالة مهر للأنباء، 2023. المصدر: وكالة مهر للأنباء
مصطفى: هور الحويزة هو الوحيد خلال حملة تجفيف صدام بقى…
مقتطف من «ذكرى عملية خيبر» — لقطات أرشيفية من الحرب العراقية الإيرانية لمعركة عام 1984 في هور الحويزة وجزيرة مجنون، وكالة مهر للأنباء، 2023. المصدر: وكالة مهر للأنباء
مقتطف من «ذكرى عملية خيبر» — لقطات أرشيفية من الحرب العراقية الإيرانية لمعركة عام 1984 في هور الحويزة وجزيرة مجنون، وكالة مهر للأنباء، 2023. المصدر: وكالة مهر للأنباء
جنود إيرانيون يرتدون بدلات واقية من الأسلحة الكيميائية و أقنعة غاز، يقفون بجانب لافتات كُتب عليها بالفارسية "ابتسم يا أخي"، خلال عملية بدر، هور العظيم (هور الحويزة)، 1985. تصوير: محمود بدرفر
جنود إيرانيون على جسور عائمة خلال عملية بدر، هور العظيم (هور الحويزة)، 1984. تصوير: محمد حسين حيدري
مقتطف من «ذكرى عملية خيبر» — لقطات أرشيفية من الحرب العراقية الإيرانية لمعركة عام 1984 في هور الحويزة وجزيرة مجنون، وكالة مهر للأنباء، 2023. المصدر: وكالة مهر للأنباء
مصطفى: يخلّونها أسلاك شائكة داخل الهور، يسمّوها ’مصائد للزوارق‘، لأن…
لقطة من «مجنون: من ساحة المعركة إلى حقل النفط»، شل، نحو 2012–2013. المصدر: https://www.youtube.com/watch?v=cAb7BfvVUUg
أينما كان النفط كانت الحرب

منذ اكتشاف النفط في قاع الأهوار وحولها، باتت الجغرافيا هدفاً عسكرياً. فرُسمت خرائطه، واستُخرج من الباطن، ووُضع موضع ادعاء، وأُعلنت الحروب من أجله على يد القوى الاستعمارية والإمبريالية والإقليمية. لم يعد تُرى الأهوار كأرض ومياه و قصب، بل كاحتياطيات نفطية ومواقع حساسة للأمن القومي. أحد هذه الاكتشافات هو حقل ”مجنون“ النفطي في جنوب هور الحويزة الذي اكتُشف عام 1975، وهو من بين أكبر حقول النفط في العالم. يُعزى اسمه إلى التركيز الاستثنائي –بل الجنونيّ – للنفط في مساحة صغيرة نسبياً. في غضون عقدٍ من الزمن، بات الحقل المعروف بوفرته هدفًا عسكريًا رئيسيًا إبّان الحرب العراقية الإيرانية، إذ شهد معركة الأهوار، التي أطلقت عليها إيران اسم «عملية خيبر». رغم محاولة الجيش العراقي تجفيف الهور لصالحه، كما فعل في أهوارٍ أخرى، فإنّ هور الحويزة كان حالةً مختلفة على نحوٍ لافت؛ إذ يقع نحو ثلثه خارج السيطرة العراقية، ممتدًّا داخل الأراضي الإيرانية، حيث يُعرَف باسمٍ آخر: هور العظيم. رأى الجيش الإيراني فرصة لاختراق الحدود والتنقل في الأهوار التي لا يمكن للمدرعات العراقية الوصول إليها لرطوبتها. تحرّك الجنود الإيرانيون عبر القصب في قوارب من الألومنيوم، مستعينين بجسورٍ عائمة شيّدوها، وبحواجز ومواقع لإطلاق النار ثبّتوها فوق الماء، حتى استولوا في نهاية المطاف على جزر مجنون في جنوب هور الحويزة. رداً على ذلك، ملأ الجيش العراقي مياه الأهوار بالأسلاك الشائكة.

مقتطف من «تاج المعارك»، هور الحويزة، تلفزيون العراق، 1985، نشره عصام النعيمي على يوتيوب. المصدر: https://www.youtube.com/watch?v=zQ3VRs83nMI
مصطفى: شنو سوّى صدام باثنين وثمانين؟ طلّعهم من الماي، من…
الهور كبنية تحتية عسكرية

مع افتقار نظام صدام للقوة الكافية أو الوصول الكامل إلى الأهوار، لجأ إلى أساليب أخرى، لا تزال آثارها موجودة حتى يومنا هذا. لاستعادة حقل مجنون، بنى النظام العراقي تلالاً ترابية وسدوداً في كافة أنحاء الهور للسماح للقوات والآليات بالتقدم نحو حقل النفط بدون الغرق في الوحل. لم تكن مجرد حرب تخاض على حقل النفط، بل أمست إعادة تشكيل للهور في سبيل استعادته. وعملية إعادة التشكيل هذه لم تستلزم الأراضي فحسب، بل تطلبت كذلك الأهواريين أنفسهم. إن المجتمعات الأهوارية التي دُفعت اليوم إلى العمل في حقول النفط، كانت هي نفسها قد دُفعت قبل جيل سابق إلى الحرب نفسها، إذ طُردت من أراضيها وجُندت في الجيش الذي احتل الأرض. بحلول نهاية الحرب، تحول الهور عملياً من مجرد ساحة معركة إلى بنية تحتية عسكرية. بعد بضع سنوات، كردّ على انتفاضة عام 1991، كُهربت المياه المتبقية ولُوثت، مما يجعل الكثير منها غير صالح للعيش. قد يتغير مستخدمو البنية التحتية والأراضي، لكن المنطق يظل قائماً. فنفس التلال الترابية والسدود والطرق التي حملت على قوات عسكرية ذات يوم تستحوذ على حقل النفط تشهد اليوم شاحنات محملة بالنفط تخرج من المنطقة.

بقايا الحرب في هور الحويزة، العراق، 2025. فيديو: مصطفى الأهواري
مصطفى: إي، أغلب المخلفات، خصوصاً الصواريخ المقذوفة، طلعت ورا الجفاف،…
بقايا الحرب في هور الحويزة، العراق، دون تاريخ. فيديو: مصطفى الأهواري
مصطفى: بآخر فترة لگيتها مگصّصينها، ولا مخلّين بيها شي؛ بايعينها…
مرتضى: أكو بيهم ضلو بالصواريخ بارود؛ ويفتحون الصواريخ، ياخذون البارود…
«عمال يفرزون الخردة المعدنية من بقايا دبابات الجيش العراقي السابق في ساحة خردة تزوّد مصانع الحديد والصلب في البصرة»، رويترز، العراق، 8 شباط/فبراير 2026. المصدر: رويترز/محمد عاطي
مرتضى: أنا شفت حادث ماتوا بيه ثلاثة نفرات. الحادث يم…
الاقتصاد غير الرسمي للمخلفات الحربية

كل شيء آخر إمّا بقي غارقًا تحت الماء أو عاد إلى الظهور على سطحه ببطء. ما كشفه التجفيف والجفاف اندمج في الحياة اليومية، حتى وجد غرضاً جديداً لوجوده. فالدبابة التي كانت بمثابة ملعب طفولة مصطفى اختفت فجأة. أصبحت المواد جزءاً من الاقتصاد غير الرسمي. تُقطع مخلفات الحرب وتباع. و بينما تتحرك القيمة التبادلية للمعدن عبر شبكة تجارية أوسع نطاقاً، فإن القائمين بهذا العمل هم من يتحملون وطأة مخاطر التجريد من السلاح والمشقة الناجمة عنه.

مرتضى: هسّة إحنا، كمواطنين، حرمونا ندخل هاي المنطقة. أعذارهم على…
لقطة من «مجنون: من ساحة المعركة إلى حقل النفط»، شل، نحو 2012–2013. المصدر: https://www.youtube.com/watch?v=cAb7BfvVUUg
مرتضى: هاي الألغام، يعني ينظّفون المكان فقط للشركات النفطية، مو…
فريق شعبة معالجة المقذوفات غير المنفلقة في الدفاع المدني يرفع 175 من مخلفات الحرب المتفجرة، قيادة شرطة ميسان، محافظة ميسان، تشرين الأول 2025. المصدر: صفحة قيادة شرطة محافظة ميسان على فيسبوك.
لقطة من «مجنون: من ساحة المعركة إلى حقل النفط»، شل، نحو 2012–2013. المصدر: https://www.youtube.com/watch?v=cAb7BfvVUUg
لقطة من «مجنون: من ساحة المعركة إلى حقل النفط»، شل، نحو 2012–2013. المصدر: https://www.youtube.com/watch?v=cAb7BfvVUUg
مرتضى: يعني إحنا بالتظاهرة من قطعنا الطريق عليهم، إجوا وشفنا…
لقطة من «مجنون: من ساحة المعركة إلى حقل النفط»، شل، نحو 2012–2013. المصدر: https://www.youtube.com/watch?v=cAb7BfvVUUg
"مجنون: من ساحة معركة إلى حقل نفط"، شل، حوالي 2012–2013. المصدر: https://www.youtube.com/watch?v=cAb7BfvVUUg.
مرتضى: أكو عائلة بيها ثلاثة إصابات أو أربعة يعني مؤكّدة…
في حالة حرب دائمة

تحت شعار حماية الناس من مخاطر مخلفات الحرب، تجعل السلطات المحلية الوصول إلى هور الحويزة غير ممكن على نحو متزايد. يتم التعاقد على حقول النفط، وتثبيت العلامات، تجميع الذخائر وتفجيرها في مكانها، مما يؤدي إلى إطلاق السموم في الهواء. وفي أماكن أخرى، يظل المشهد في حالة حرب دائمة، إذ تنتظر الذخائر غير المنفجرة لحظة تفجيرها. وهنا لا يتسرب التلوث من تدفقات الاستخراج ومشاعل الغاز فحسب، بل كذلك مما خلفته الحروب المتعاقبة مغروساً في الأرض وغارقاً تحت الماء وعالقاً في الهواء.

"العراق: دليل سياحي"، المؤسسة العامة للسياحة، العراق، 1982.
مرتضى: رامسار، بطبيعة الحال، هو حتى ما متابع موضوع هور…
بقايا حرب في هور الحويزة، العراق، 2025. فيديو: مصطفى الأهواري
مرتضى: فإحنا گلنالهم: إذا منطقة حربية، نفس ما تنظّفون للشركات…
أسطورة النقاء

إحدى السرديات السائدة عن الأهوار هي سرديةُ النقاء. فقد صُوِّرت تاريخيًا على أنها «عذراء» أو لم تمسّها يد. رافقت أسطورة النقاء منطقة هور الحويزة إلى إدراجها على قائمة التراث العالمي لليونسكو في عام 2016 بموجب اتفاقية رامسار، متجاهلة تاريخ العسكرة واستخراج النفط، وأولئك الذين وجدوا أنفسهم يشعلون النار فوق صاروخ، أو يتسلّقون دبابات مهجورة، أو يعبرون مياهاً مليئة بالأسلاك الشائكة. فهي لم تردع شركات النفط، ولم يُزل أياً من المخلفات العسكرية. يبدو أن التسميات تمثل نقطة نهاية عوضاً عن بداية الحماية.

شواء السمك في الأهوار، العراق، 2025. فيديو: مرتضى الأهواري

بعد يوم طويل من الصيد، أشعلت إحدى عوائل الأهوار النار على ضفاف الهور لشواء صيدهم الطازج من الأسماك. بينما كان الحطب يطقطق والسمك يكتسب لوناً ذهبياً، اكتشفوا فجأة صاروخاً من مخلفات حرب سابقة مختبئاً وراء النيران التي كانوا يُذكونها بحماسة.

إن مصادفة المخلفات الحربية في الأهوار خلال ممارسة بسيطة من الحياة اليومية ليس بالأمر المفاجئ أو غير المألوف.

مرتضى:
فبسرعة طفّينا النار علمود لا تنفجر الصواريخ، لأن مجموعة كبيرة جداً من الصواريخ كانت موجودة داخل الأهوار. ما أعتقد اموثقيهن او مموثقيهن ما سألتهم أبوقتها لأن مو الكل يوثق، هي وحدة. لكن الأكثر خطورة، والأكثر انتشار للمخلّفات الحربية، هي منطقة الفكة الشمالية، أو الفكة والجزيرة بصورة عامة.

إن عقوداً من الاحتلال والغزو وعنف الدول، مارستها الجيوش البريطانية والأمريكية و الإيرانية والعراقية، قد خلفت وراءها صواريخ و مقذوفات وذخائر لم تنفجر، بل بقيت مغروسة في كافة أنحاء الأهوار. إلا أنها وبعد فترة طويلة من إعلان انتهاء الحروب، تستمر في تشكيل حياة الناس هناك وتهديدهم. فبعضها مدفون في الوحل تحت سطح المياه، غير مرئي من الأعلى، والبعض الآخر عالق بين القصب الكثيف أو يقبع مكشوفاً على الأرض الجافة المتشققة، ويتزايد تفاعله مع ارتفاع درجات الحرارة وتآكل المعادن.

بقايا حرب في هور الحويزة، العراق، 2025. فيديو: مصطفى الأهواري
بقايا الحرب في هور الحويزة، العراق، دون تاريخ. تصوير: مصطفى الأهواري
بقايا الحرب في هور الحويزة، العراق، دون تاريخ. تصوير: مصطفى الأهواري
مصطفى:
چانت أكو دبابة شايفة بمدخل هور الحويزة، مگلوبة. يعني بطفولتي، من أودّي الجاموس، نصعد فوقها و نلعب.

نارُ طبخٍ فوق صاروخ. أطفالٌ يجمعون الحديد من دبابة مهجورة. جاموسةٌ راعية تطأ لغماً. زورقٌ يخرقه سلكٌ شائك وهو يعبر مياهاً طالما عبرها من قبل.

منذ اكتشاف النفط في قاع الأهوار وحولها، باتت الجغرافيا هدفاً عسكرياً.

"خريطة نفط الشرق الأدنى والأوسط"، الطبعة السابعة. ب. أورتشارد ليزل، فورت وورث، تكساس، 1965. المصدر: مجموعة ديفيد رمزي للخرائط التاريخية
"خريطة نفط الشرق الأدنى والأوسط"، الطبعة السابعة. ب. أورتشارد ليزل، فورت وورث، تكساس، 1965. المصدر: مجموعة ديفيد رمزي للخرائط التاريخية

فرُسمت خرائطه، واستُخرج من الباطن، ووُضع موضع ادعاء، وأُعلنت الحروب من أجله على يد القوى الاستعمارية والإمبريالية والإقليمية. لم يعد تُرى الأهوار كأرض ومياه و قصب، بل كاحتياطيات نفطية ومواقع حساسة للأمن القومي.

"مشاهد من المعركة: الفيلق السادس في معركة هور الحويزة"، هور الحويزة، 1988، نشره دريد عبد الوهاب على يوتيوب، 2025. المصدر: https://www.youtube.com/watch?v=bxjGnEcpA3k
"توزيع النفط الخام العراقي عام 1953" ضمن "نفط العراق عام 1953"، شركة نفط العراق المحدودة، لندن، 1953. المصدر: DAME، جامعة إكستر
"توزيع النفط الخام العراقي عام 1953" ضمن "نفط العراق عام 1953"، شركة نفط العراق المحدودة، لندن، 1953. المصدر: DAME، جامعة إكستر

أحد هذه الاكتشافات هو حقل ”مجنون“ النفطي في جنوب هور الحويزة الذي اكتُشف عام 1975، وهو من بين أكبر حقول النفط في العالم. يُعزى اسمه إلى التركيز الاستثنائي –بل الجنونيّ – للنفط في مساحة صغيرة نسبياً.

مقتطف من «ذكرى عملية خيبر» — لقطات أرشيفية من الحرب العراقية الإيرانية لمعركة عام 1984 في هور الحويزة وجزيرة مجنون، وكالة مهر للأنباء، 2023. المصدر: وكالة مهر للأنباء

في غضون عقدٍ من الزمن، بات الحقل المعروف بوفرته هدفًا عسكريًا رئيسيًا إبّان الحرب العراقية الإيرانية، إذ شهد معركة الأهوار، التي أطلقت عليها إيران اسم «عملية خيبر».

رغم محاولة الجيش العراقي تجفيف الهور لصالحه، كما فعل في أهوارٍ أخرى، فإنّ هور الحويزة كان حالةً مختلفة على نحوٍ لافت؛ إذ يقع نحو ثلثه خارج السيطرة العراقية، ممتدًّا داخل الأراضي الإيرانية، حيث يُعرَف باسمٍ آخر: هور العظيم.

مقتطف من «ذكرى عملية خيبر» — لقطات أرشيفية من الحرب العراقية الإيرانية لمعركة عام 1984 في هور الحويزة وجزيرة مجنون، وكالة مهر للأنباء، 2023. المصدر: وكالة مهر للأنباء
مصطفى:
هور الحويزة هو الوحيد خلال حملة تجفيف صدام بقى جزء منه، يعني جزء بسيط، تقريباً ربع منه باقي. المسطحات المائية باقية حتى أثناء الحرب، الحرب قائمة، وچانوا يحاربون بزوارق داخل الهور.

رأى الجيش الإيراني فرصة لاختراق الحدود والتنقل في الأهوار التي لا يمكن للمدرعات العراقية الوصول إليها لرطوبتها.

مقتطف من «ذكرى عملية خيبر» — لقطات أرشيفية من الحرب العراقية الإيرانية لمعركة عام 1984 في هور الحويزة وجزيرة مجنون، وكالة مهر للأنباء، 2023. المصدر: وكالة مهر للأنباء
جنود إيرانيون يرتدون بدلات واقية من الأسلحة الكيميائية و أقنعة غاز، يقفون بجانب لافتات كُتب عليها بالفارسية "ابتسم يا أخي"، خلال عملية بدر، هور العظيم (هور الحويزة)، 1985. تصوير: محمود بدرفر
جنود إيرانيون يرتدون بدلات واقية من الأسلحة الكيميائية و أقنعة غاز، يقفون بجانب لافتات كُتب عليها بالفارسية "ابتسم يا أخي"، خلال عملية بدر، هور العظيم (هور الحويزة)، 1985. تصوير: محمود بدرفر

تحرّك الجنود الإيرانيون عبر القصب في قوارب من الألومنيوم، مستعينين بجسورٍ عائمة شيّدوها، وبحواجز ومواقع لإطلاق النار ثبّتوها فوق الماء، حتى استولوا في نهاية المطاف على جزر مجنون في جنوب هور الحويزة.

جنود إيرانيون على جسور عائمة خلال عملية بدر، هور العظيم (هور الحويزة)، 1984. تصوير: محمد حسين حيدري
جنود إيرانيون على جسور عائمة خلال عملية بدر، هور العظيم (هور الحويزة)، 1984. تصوير: محمد حسين حيدري

رداً على ذلك، ملأ الجيش العراقي مياه الأهوار بالأسلاك الشائكة.

مقتطف من «ذكرى عملية خيبر» — لقطات أرشيفية من الحرب العراقية الإيرانية لمعركة عام 1984 في هور الحويزة وجزيرة مجنون، وكالة مهر للأنباء، 2023. المصدر: وكالة مهر للأنباء
لقطة من «مجنون: من ساحة المعركة إلى حقل النفط»، شل، نحو 2012–2013. المصدر: https://www.youtube.com/watch?v=cAb7BfvVUUg
لقطة من «مجنون: من ساحة المعركة إلى حقل النفط»، شل، نحو 2012–2013. المصدر: https://www.youtube.com/watch?v=cAb7BfvVUUg
مصطفى:
يخلّونها أسلاك شائكة داخل الهور، يسمّوها ’مصائد للزوارق‘، لأن صارت حرب زوارق. ولحد الآن، كل مرة أنروح أني وأبوي للهور، مرات يضرب البلم بالحديدة وتزّرفه. هذا الهور مناك متروس حديد، ومثل الفخ يسوّوها للزورق.

مع افتقار نظام صدام للقوة الكافية أو الوصول الكامل إلى الأهوار، لجأ إلى أساليب أخرى، لا تزال آثارها موجودة حتى يومنا هذا. لاستعادة حقل مجنون، بنى النظام العراقي تلالاً ترابية وسدوداً في كافة أنحاء الهور للسماح للقوات والآليات بالتقدم نحو حقل النفط بدون الغرق في الوحل.

مقتطف من «تاج المعارك»، هور الحويزة، تلفزيون العراق، 1985، نشره عصام النعيمي على يوتيوب. المصدر: https://www.youtube.com/watch?v=zQ3VRs83nMI

لم تكن مجرد حرب تخاض على حقل النفط، بل أمست إعادة تشكيل للهور في سبيل استعادته. وعملية إعادة التشكيل هذه لم تستلزم الأراضي فحسب، بل تطلبت كذلك الأهواريين أنفسهم.


مصطفى:
شنو سوّى صدام باثنين وثمانين؟ طلّعهم من الماي، من المنطقة المائية، وخلّاهم يبنون ورا الساتر بيوت، يعني بعيد، بعيد عن هاي المنطقة.
مرتضى:
هاي النقلة اللي صارت دمّرت سكان الأهوار.
مصطفى:
هي هاي يعني سوّت إبادة جماعية لفكرة الأهواريين وفكرة حياتهم.

إن المجتمعات الأهوارية التي دُفعت اليوم إلى العمل في حقول النفط، كانت هي نفسها قد دُفعت قبل جيل سابق إلى الحرب نفسها، إذ طُردت من أراضيها وجُندت في الجيش الذي احتل الأرض.

بحلول نهاية الحرب، تحول الهور عملياً من مجرد ساحة معركة إلى بنية تحتية عسكرية.

بعد بضع سنوات، كردّ على انتفاضة عام 1991، كُهربت المياه المتبقية ولُوثت، مما يجعل الكثير منها غير صالح للعيش.

قد يتغير مستخدمو البنية التحتية والأراضي، لكن المنطق يظل قائماً. فنفس التلال الترابية والسدود والطرق التي حملت على قوات عسكرية ذات يوم تستحوذ على حقل النفط تشهد اليوم شاحنات محملة بالنفط تخرج من المنطقة.

بقايا الحرب في هور الحويزة، العراق، 2025. فيديو: مصطفى الأهواري

كل شيء آخر إمّا بقي غارقًا تحت الماء أو عاد إلى الظهور على سطحه ببطء.

بقايا الحرب في هور الحويزة، العراق، دون تاريخ. فيديو: مصطفى الأهواري
بقايا الحرب في هور الحويزة، العراق، دون تاريخ. فيديو: مصطفى الأهواري
مصطفى:
إي، أغلب المخلفات، خصوصاً الصواريخ المقذوفة، طلعت ورا الجفاف، يعني هاي المنطقة كلها كانت غاطة بالماي.

ما كشفه التجفيف والجفاف اندمج في الحياة اليومية، حتى وجد غرضاً جديداً لوجوده. فالدبابة التي كانت بمثابة ملعب طفولة مصطفى اختفت فجأة.

مصطفى:
بآخر فترة لگيتها مگصّصينها، ولا مخلّين بيها شي؛ بايعينها حديد.
مرتضى:
أكو بيهم ضلو بالصواريخ بارود؛ ويفتحون الصواريخ، ياخذون البارود ويبيعون البارود. وأكو أجزاء بالصواريخ هم يفتحونها وياخذوها. أكو حتى الألغام يفصخونها....

أصبحت المواد جزءاً من الاقتصاد غير الرسمي. تُقطع مخلفات الحرب وتباع. و بينما تتحرك القيمة التبادلية للمعدن عبر شبكة تجارية أوسع نطاقاً، فإن القائمين بهذا العمل هم من يتحملون وطأة مخاطر التجريد من السلاح والمشقة الناجمة عنه.

«عمال يفرزون الخردة المعدنية من بقايا دبابات الجيش العراقي السابق في ساحة خردة تزوّد مصانع الحديد والصلب في البصرة»، رويترز، العراق، 8 شباط/فبراير 2026. المصدر: رويترز/محمد عاطي
«عمال يفرزون الخردة المعدنية من بقايا دبابات الجيش العراقي السابق في ساحة خردة تزوّد مصانع الحديد والصلب في البصرة»، رويترز، العراق، 8 شباط/فبراير 2026. المصدر: رويترز/محمد عاطي
مرتضى:
أنا شفت حادث ماتوا بيه ثلاثة نفرات. الحادث يم منطقي صار. مجموعة من الشباب الصغار جابوا أحد المقذوفات المتروكة، ويدگون عليه ويضربون بيه لحد ما انفجر عليهم. سمعنا الصوت، فمن رحت أنا، لقيت مجرد أجساد مقطّعة، واللحم متطاير بكل مكان. أنا شاهد عليها كنت يعني، بحدود ما يقارب بعد سقوط صدام.

تحت شعار حماية الناس من مخاطر مخلفات الحرب، تجعل السلطات المحلية الوصول إلى هور الحويزة غير ممكن على نحو متزايد.

لقطة من «مجنون: من ساحة المعركة إلى حقل النفط»، شل، نحو 2012–2013. المصدر: https://www.youtube.com/watch?v=cAb7BfvVUUg
لقطة من «مجنون: من ساحة المعركة إلى حقل النفط»، شل، نحو 2012–2013. المصدر: https://www.youtube.com/watch?v=cAb7BfvVUUg
مرتضى:
هسّة إحنا، كمواطنين، حرمونا ندخل هاي المنطقة. أعذارهم على مدار السنوات اللي فاتت يقولون منطقة بيها ألغام وخطرة. بينما الشركات النفطية تدخل ويسوون مسح للمنطقة، المسح مثلاً 500 متر. يسوّون طرق ويفتحون طرق، الطرق مثلاً 10 متر، والساحات 400 أو 500 متر. يسولها مسح كامل. شركات متعاقدين وياها تزيل الألغام.
مرتضى:
هاي الألغام، يعني ينظّفون المكان فقط للشركات النفطية، مو للمواطنين ولا للرعاة، مثل راعي الأغنام والبقر الموجودين في هاي المنطقة، ولا لسكان المنطقة. لا، فقط للشركات النفطية. ينظّفون الأماكن اللي بيها آبار نفطية والطرق اللي يسوّوها.

يتم التعاقد على حقول النفط، وتثبيت العلامات، تجميع الذخائر وتفجيرها في مكانها، مما يؤدي إلى إطلاق السموم في الهواء. وفي أماكن أخرى، يظل المشهد في حالة حرب دائمة، إذ تنتظر الذخائر غير المنفجرة لحظة تفجيرها.

فريق شعبة معالجة المقذوفات غير المنفلقة في الدفاع المدني يرفع 175 من مخلفات الحرب المتفجرة، قيادة شرطة ميسان، محافظة ميسان، تشرين الأول 2025. المصدر: صفحة قيادة شرطة محافظة ميسان على فيسبوك.
فريق شعبة معالجة المقذوفات غير المنفلقة في الدفاع المدني يرفع 175 من مخلفات الحرب المتفجرة، قيادة شرطة ميسان، محافظة ميسان، تشرين الأول 2025. المصدر: صفحة قيادة شرطة محافظة ميسان على فيسبوك.
لقطة من «مجنون: من ساحة المعركة إلى حقل النفط»، شل، نحو 2012–2013. المصدر: https://www.youtube.com/watch?v=cAb7BfvVUUg
لقطة من «مجنون: من ساحة المعركة إلى حقل النفط»، شل، نحو 2012–2013. المصدر: https://www.youtube.com/watch?v=cAb7BfvVUUg
لقطة من «مجنون: من ساحة المعركة إلى حقل النفط»، شل، نحو 2012–2013. المصدر: https://www.youtube.com/watch?v=cAb7BfvVUUg
لقطة من «مجنون: من ساحة المعركة إلى حقل النفط»، شل، نحو 2012–2013. المصدر: https://www.youtube.com/watch?v=cAb7BfvVUUg
مرتضى:
يعني إحنا بالتظاهرة من قطعنا الطريق عليهم، إجوا وشفنا آلياتهم وسياراتهم ومعدّاتهم. أنا سألت عن الموضوع، وطلع إنّ وزارة النفط مؤخراً متعاقدة مع الجيش، يعني جهة الهندسة مال الجيش هو اللي ينظّف لهم الطرق.
ما عندهم أماكن مخصّصة للتفجير، وبالمقابل ما عندهم ذيچ الرؤية على مود يهتمّون بهاي الجوانب. يعني ما عندهم اهتمام مثلاً بالغازات... الانبعاثات... المخلّفات الكيميائية اللي تنتج من التفجير. ما عندهم هذا الشي، أصلاً هيه حتى طرق المعالجة موطرق صحيحة
لقطة من «مجنون: من ساحة المعركة إلى حقل النفط»، شل، نحو 2012–2013. المصدر: https://www.youtube.com/watch?v=cAb7BfvVUUg
لقطة من «مجنون: من ساحة المعركة إلى حقل النفط»، شل، نحو 2012–2013. المصدر: https://www.youtube.com/watch?v=cAb7BfvVUUg

وهنا لا يتسرب التلوث من تدفقات الاستخراج ومشاعل الغاز فحسب، بل كذلك مما خلفته الحروب المتعاقبة مغروساً في الأرض وغارقاً تحت الماء وعالقاً في الهواء.

"مجنون: من ساحة معركة إلى حقل نفط"، شل، حوالي 2012–2013. المصدر: https://www.youtube.com/watch?v=cAb7BfvVUUg.
"مجنون: من ساحة معركة إلى حقل نفط"، شل، حوالي 2012–2013. المصدر: https://www.youtube.com/watch?v=cAb7BfvVUUg.
مرتضى:
أكو عائلة بيها ثلاثة إصابات أو أربعة يعني مؤكّدة بالسرطان، من عائلة واحدة. وهاي فقط من المخلّفات النفطية. يعني، بكل الأحوال، اليوم مخلّف سواء كان نفطي أو حربي، هو بيه أضرار جانبية للمجتمع الموجود وللإنسان الموجود.

إحدى السرديات السائدة عن الأهوار هي سرديةُ النقاء. فقد صُوِّرت تاريخيًا على أنها «عذراء» أو لم تمسّها يد.

"العراق: دليل سياحي"، المؤسسة العامة للسياحة، العراق، 1982.
"العراق: دليل سياحي"، المؤسسة العامة للسياحة، العراق، 1982.

رافقت أسطورة النقاء منطقة هور الحويزة إلى إدراجها على قائمة التراث العالمي لليونسكو في عام 2016 بموجب اتفاقية رامسار، متجاهلة تاريخ العسكرة واستخراج النفط، وأولئك الذين وجدوا أنفسهم يشعلون النار فوق صاروخ، أو يتسلّقون دبابات مهجورة، أو يعبرون مياهاً مليئة بالأسلاك الشائكة. فهي لم تردع شركات النفط، ولم يُزل أياً من المخلفات العسكرية. يبدو أن التسميات تمثل نقطة نهاية عوضاً عن بداية الحماية.

بقايا حرب في هور الحويزة، العراق، 2025. فيديو: مصطفى الأهواري
مرتضى:
رامسار، بطبيعة الحال، هو حتى ما متابع موضوع هور الحويزة بشكل كامل وبشكل جاد. يعني ما عندهم مثلاً متابعة مستمرة على مود يشوفون شنو الأضرار... الاحتياجات...
مرتضى:
فإحنا گلنالهم: إذا منطقة حربية، نفس ما تنظّفون للشركات النفطية، نظّفولنا أماكن إحنا ندخل بيها. إذا أكو خطورة بيها، نظّفوها ونحن ندخلها. فما محد استجاب إلنا أبد، ما حد استجاب أصلاً.
النفط، النفط، النفط، النفط... لعنة الحياة والوجود.

المزيد من القصص قريبًا

0:00 / 0:00