من يدخل الهور

مصطفى: أنا چنت بالبيت بيومها وأبوي راح يودّي الجاموس للهور.…
أسلاك شائكة ممدودة عبر نهر أم الطوس، العراق، 2024. تصوير: مصطفى الأهواري
مصطفى: هذا الجسر اللاخ. هذا اشسوو؟ ما خلوا أسلاك حديدية،…
حاجز معدني أسفل جسر على نهر أم الطوس، العراق، 2024. تصوير: مصطفى الأهواري
هور بين الأسلاك

في نيسان 2024، قطعت السلطات المحلية فجأةً طريقَ الأهواريين إلى هور الحويزة، أحدِ آخر الأهوار الباقية في جنوب العراق. لم يكن منعُهم من الهور، أو تقييدُ انتفاعهم به، أمرًا جديدًا عليهم، لكنّها كانت المرة الأولى منذ سقوط نظام البعث عام 2003 التي يُغلَق فيها الهور بحواجز فعلية. بدأ الأمر بخيطٍ رفيع من الأسلاك الشائكة مُدَّ عبر نهر أم الطوس، على بُعد كيلومتر من حيث يلتقي النهر بالهور. وبعد ذلك بوقتٍ قصير، نُصِب حاجزٌ ثانٍ عند مدخل الهور نفسه.

مصطفى: صراحة حسيت بغضب وكأنما أنت منعت من وطنك. إحنا…
مقتطف من فيلم «الأهوار» لقاسم حول، العراق، 1975. بإذن من قاسم حول
مقتطف من فيلم «الأهوار» لقاسم حول، العراق، 1975. بإذن من قاسم حول
الجد الخامس

فعلى مدى قرون، عاش سكان الأهوار على مياهها، وشيدوا قرى من جزر القصب العائمة، تحيط بها المياه من جميع الجهات. انقطعت هذه العلاقة الوثيقة بالماء لحظة تهجيرهم القسري من الهور. وفي التاريخ الحديث، أدى نشوء الدولة العراقية الحديثة و ترسيم حدودها إلى سلسلة من الأحداث المتعاقبة. منذ اكتشاف النفط في جنوب العراق خلال سبعينيات القرن الماضي، مرورًا بالحرب العراقية الإيرانية في ثمانينياته، وصولًا إلى مشاريع تجفيف الأهوار التي أعقبت انتفاضة عام 1991، أسهم كل حدث من هذه الأحداث بموجة جديدة من التهجير القسري.

جرافات مدرعة تزيل أراضي القصب في هور الحويزة، العراق، 2025. المصدر: قيادة قوات الحدود العراقية / فيسبوك
مصطفى: ثلاث أنهر متفرعة من نهر دجلة، الحسيچي و الزبير…
تحويل الهور إلى منطقة عازلة حدودية

وجاء الحصار المفروض عام 2024 ليشكّل أحدث حاجز في سلسلة الحواجز التي أُقيمت منذ عام 2003 تحت شعار حماية الحدود مع إيران. وأصبح صيانة الحدود مبررًا لمنع سكان الأهوار من دخول الهور. وواصل حرس الحدود توسيع نطاق سيطرتهم إلى ما يتجاوز المسافة المتعارف عليها والمحدّدة بـ500 متر، حتى امتدّ هذا النطاق إلى 35 كيلومترًا. كما جرى حفر التربة من داخل الهور نفسه واستخدامها في إقامة سواتر ترابية حوله، مع إنشاء نقطة تفتيش كل 500 متر. أدّى ذلك إلى تحويل الهور بأكمله، والأنهار والأراضي الواقعة من الجهة الغربية منه، إلى منطقة عازلة حدودية. فبعد أن اعتاد سكان الأهوار الاستيقاظ كل يوم في مساكن لا تفصلها عن الماء سوى خطوات قليلة، وجدوا أنفسهم يُدفعون تدريجيًا إلى أماكن أبعد فأبعد عنه، إلى أن باتوا مضطرين إلى عرض مطالبهم والتماس الإذن للسماح لهم بدخول الهور بوصفهم زائرين.

مصطفى: ما تگدر تفوت إلا يفتحون لك الباب همه، بعد…
تصريح دخول للصيادين صادر عن وزارة الداخلية، العراق، 2024. تصوير: مصطفى الأهواري
رجل وامرأة من أهل الأهوار يصطادان السمك في هور الحويزة، العراق، 2022. تصوير: مرتضى الأهواري
مقتطف من فيلم «الأهوار» لقاسم حول، العراق، 1975. بإذن من قاسم حول
مصطفى: جزيرة وسط الماي ننزل عليها ونبات. أي مكان قصب،…
صياد في "شيحة"، وهي مأوى تقليدي للصيد، هور المشرّح، العراق، 2023. تصوير: مرتضى الأهواري
شروط الدخول

جعلت السلطاتُ الوصولَ إلى الهور، والذي كان مقيّدًا بشدة، مشروطًا بالخضوع لعمليات تفتيش جسدي تجريها شرطة الحدود. وكانت السلطات تدرك أن نساء الأهوار لن يقبلن بهذا الإجراء، ومن دون تقديم أي بديل، منعوهم تمامًا من دخول الهور لفترةٍ من الزمن وبالتالي من ممارسة جميع الأنشطة والتقاليد المرتبطة به. وقد أحدث هذا الإقصاء خللًا في نسيج المجتمع الأهواري. أما الأشخاص المسموح لهم بدخول الهور، فقد فُرضت عليهم مدة زمنية محددة للبقاء فيه. فقد اعتاد صيادو الأهوار نصب شباكهم في ساعات الليل المتأخرة، والمبيت في الهور لجمع صيدهم عند الفجر. لكن مع اقتصار الدخول على ساعات النهار فقط ، حُرم الصيادون من ممارسة هذا النوع من الصيد، وانقطع بذلك مصدر الدخل الذي كانوا يعتمدون عليه.

مصطفى: إحنا كسكان الأهوار كنا نغذي الجنوب كله بالسمچ، تجينا…
مصطفى: أما سابقًا كنت ما معرض للفقر وللجوع، لأن أنا…
كتاب رسمي صادر عن مكتب محافظ ميسان يوجّه قطعات حرس الحدود وشرطة الطاقة بمنع الصيادين والرحلات من دخول المناطق الواقعة ضمن مسؤوليتها دون موافقة المحافظ، ميسان، العراق، 2026
أهالي الأهوار يحتجون على الحواجز التي أُقيمت عام 2024 عند نقطة تفتيش للشرطة بجانب نهر أم الطوس، العراق، 2024. تصوير: مصطفى الأهواري
محتج من أهل الأهوار يحمل رمح الصيد التقليدي، على حافة هور الحويزة، العراق، 2024. تصوير: مصطفى الأهواري
تحتَ حكم النفط

الطرق التي كانت تستخدم لنقل الأسماك والحليب من الهور إلى سائر أنحاء البلاد سابقا، أصبحت اليوم تسلكها شاحنات النفط. لقد هيمن النفط على الاقتصاد العراقي طوال قرن من الزمن. وبدأ ذلك في ظل الانتداب البريطاني، مع الامتيازات النفطية التي مُنحت في عشرينيات القرن الماضي. وتعمّق هذا النفوذ في ظل الإمبريالية الأمريكية، التي أعادت، فتح الحقول النفطية أمام الشركات الأجنبية منذ غزو العراق عام 2003، ووجّهت عائدات النفط عبر المصرف الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وفي العقود الفاصلة بينهما، من ثمانينيات القرن الماضي و حتى الغزو، أضعفت الحروب و العقوبات، وما رافقها من تجفيف للأهوار، قدرة العراق على تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء، وأضعفت قدرته على إطعام شعبه. واليوم، يُقدَّر أن النفط يشكّل نحو 88 بالمئة من إيرادات العراق، ويُستخدم جزء منها لاستيراد الغذاء. إن النفط الذي يموّل شراء الغذاء يكمن تحت الأهوار ذاتها التي كانت توفّره سابقا. مع القيود المفروضة لدخول الهور، اضطرت عائلات كثيرة إلى الهجرة. أما الباقون، فقد أصبح الاحتجاج وسيلةً لبقائهم. فبعد فرض الحصار، تجمّع سكان الأهوار المحليون مرارًا وتكرارًا مقابل مركز الشرطة، مطالبين السلطات بتفسير ما حدث. وعلى مدى أسابيع، لم يتلقّوا أي إجابات. وفي نهاية المطاف، خُفّفت بعض القيود تحت ضغط المحتجّين، لكن حرية الوصول إلى الهور لم تعد كما كانت. وبينما واصل سكان الأهوار النضال من أجل حقهم في الوصول إلى الهور، كانت معدات تنقيب النفط تشق طريقها إلى داخل هور الحويزة.

مصطفى: السيارات شسوت؟ عبرت الساتر، دخلت بهذه المناطق، هذه المنطقة…
مركبة برمائية تُستخدم في الاستكشاف النفطي تقف على القاع الجاف لهور الحويزة، العراق، 2025. تصوير: مرتضى الأهواري
معدات نفطية داخل هور الحويزة المحمي، شوهدت قرب مركز إنعاش الأهوار والأراضي الرطبة العراقية، العراق، 2025. فيديو: مصطفى الأهواري
خطوط المسح النفطي المخطط لها (باللون الأحمر) عبر هور الحويزة، من خريطة شركة الاستكشافات النفطية، العراق، 2025
كتاب من شركة الاستكشافات النفطية العراقية الحكومية يطلب الإذن لفرقة مسح زلزالي بفتح مسارات والحفر داخل هور الحويزة، العراق، 2025
لافتة طريق تشير إلى البئر النفطية HWZ-1 قرب هور الحويزة، العراق، 2025. تصوير: مرتضى الأهواري
علامة مسح خرسانية وحفرة محفورة على سدة ترابية، هور الحويزة، العراق، 2025. تصوير: مرتضى الأهواري
مرتضى: على مود التوسع النفطي الناس فعلاً جاية تهاجر والناس…
محتج يحمل قصباً من الهور وسمكة تحت لافتة حقل الحويزة النفطي التابع لشركة نفط ميسان، العراق، 2024. تصوير: مرتضى الأهواري
احتجاج لأهالي الأهوار. ميسان، العراق، 2024. تصوير: مصطفى الأهواري
أهالي الأهوار يحتجون على النشاط النفطي داخل هور الحويزة، العراق، حزيران 2025. فيديو: مصطفى الأهواري
محتجون من أهل الأهوار يقطعون جسراً تستخدمه الصهاريج النفطية، الكحلاء، ميسان، العراق، 2025. تصوير: مصطفى الأهواري
مصطفى: جدي يسولفلي، يقول بأيام الفيضانات، الهور يوصل لمنطقة اسمها…
تفصيل من خريطة للعراق أعدّتها وزارة الحربية البريطانية، حوالي 1935، تُظهر هور الحويزة ممتداً من إيران حتى العمارة. بإذن من Barry Lawrence Ruderman Antique Maps، عبر موقع raremaps.com
آخر ما تبقى من المياه

ليس النفط جديدًا على هور الحويزة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، انتشرت الحقول والآبار النفطية في أجزاء واسعة مما كان يشكّل سابقًا جزءًا من الهور. لكن هذه كانت المرة الأولى التي تصل فيها أعمال التنقيب إلى الجزء المحمي من الهور، بموجب اتفاقية رامسار، والمُدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي عام 2016. تمكّن ناشطون محليون من سكان الأهوار من الحصول على مجموعة من الوثائق الرسمية، من بينها وثيقة مؤرخة في 22 مارس 2025، أرفقت فيه وزارة النفط خريطة مقسّمة بخطوط المسح الزلزالي. وطالبت الوزارة بشق ممرات بعرض عشرة أمتار على امتداد كل خط، عبر تجريف تربة الهور بالجرافات، لإتاحة مرور منصات الحفر، التي خُصّص لكل منها حفر بئر لكل 50 مترًا. تندرج هذه الممرات ضمن خطة أوسع لحقل الحويزة النفطي، الذي يمتد عبر الحدود العراقية الإيرانية. وفي عام 2018، أُحيل الحقل إلى شركة "جيو-جيد بتروليوم" الصينية. ويمتد التنقيب عن النفط اليوم على مساحة تقارب 300 كيلومتر مربع، من الفكة إلى المشرّح. وقد استحوذت 11,000 نقطة استكشاف حتى الآن آخر ما تبقّى من مياه الهور لصالح النفط. انضمّ إلى الاحتجاجات كلب ماءٍ محنّط، وجمجمةُ جاموس، ورمحٌ للصيد، لتجسّد جميعها أشكال الحياة التي تهدّدها صناعة النفط، إلى جانب حياة سكان الأهوار. وقد عكس موقع كلّ احتجاج العلاقة بين البنية التحتية والظلم؛ إذ أغلق المحتجّون الطريق الذي تسلكه شاحنات النفط، واحتجّوا عند فتحة الجسر المسدودة التي اعتادوا أن يعبروا من تحتها بالقوارب للدخول إلى الهور، ونظّموا اعتصامات أمام مركز الشرطة ونقاط التفتيش التي كانت ترفض منحهم الإذن برعي جواميسهم أو صيد الأسماك أو جمع القصب، كما أحاطوا بمنظّم المياه الذي يتحكّم في كمية المياه الواصلة إلى أنهارهم وأهوارهم.

أسلاك شائكة ممدودة عبر نهر أم الطوس، العراق، 2024. تصوير: مصطفى الأهواري
أسلاك شائكة ممدودة عبر نهر أم الطوس، العراق، 2024. تصوير: مصطفى الأهواري
مصطفى:
أنا چنت بالبيت بيومها وأبوي راح يودّي الجاموس للهور. فهو أول ما شاف هاي الأحداث رجع للبيت روى لنا القصة، فاني مباشرة رحت وشفت الجسر سادينه بـحديد و الشط سادينه بشرك. أني مباشرة صورتهم ونشرت على "فيسبوك" وبديت أحشد الناس، السكان المحليين. تقريبا ورا يومين طلعنا مظاهرات.

في نيسان 2024، قطعت السلطات المحلية فجأةً طريقَ الأهواريين إلى هور الحويزة، أحدِ آخر الأهوار الباقية في جنوب العراق. لم يكن منعُهم من الهور، أو تقييدُ انتفاعهم به، أمرًا جديدًا عليهم، لكنّها كانت المرة الأولى منذ سقوط نظام البعث عام 2003 التي يُغلَق فيها الهور بحواجز فعلية.

بدأ الأمر بخيطٍ رفيع من الأسلاك الشائكة مُدَّ عبر نهر أم الطوس، على بُعد كيلومتر من حيث يلتقي النهر بالهور. وبعد ذلك بوقتٍ قصير، نُصِب حاجزٌ ثانٍ عند مدخل الهور نفسه.

حاجز معدني أسفل جسر على نهر أم الطوس، العراق، 2024. تصوير: مصطفى الأهواري
حاجز معدني أسفل جسر على نهر أم الطوس، العراق، 2024. تصوير: مصطفى الأهواري
مصطفى:
هذا الجسر اللاخ. هذا اشسوو؟ ما خلوا أسلاك حديدية، جابوا حديد ولحمو لحيم. أنا صورته، يعني حديد وخلوا فتحة صغيرة تنقفل وتنسد، يعني مثل الـفتحة صغيرة، الجسر فيه تقريبًا ست فتحات، خلوا فتحة وحدة مفتوحة وتنسد وتنفتح بكيفهم همه. مسوينه بهالطريقة الكلش عنيفة. حديد وتلحم. طريقة كلش عدائية بصراحة. وعدائية لدرجة، ليش أنت تسد بالحديد.
ما بلغونا ولا أعطونا أي تنبيه ولا أي كلمة. حتى مسويينها بالليل مكملينها، الصبح لگيناها يعني.
مقتطف من فيلم «الأهوار» لقاسم حول، العراق، 1975. بإذن من قاسم حول
مصطفى:
صراحة حسيت بغضب وكأنما أنت منعت من وطنك. إحنا هذا المكان مو جديدين عليه موجايين طارين عليه ولا غرب عليه. الناس البسطاء بدأوا يحچون يگول له إحنا هاي قاعنا، ويحچون بهوية، بهويتهم بالمكان، وإحنا هذا هويتنا و هذا أرضنا، يگول له أنت أمس جيت وأنا صار لي جدي الخامس موجود هنا، يعني يحچون هاي الجمل اللي هي تخليهم متمسكين بالأرض وتدل على انتمائهم للأرض.

فعلى مدى قرون، عاش سكان الأهوار على مياهها، وشيدوا قرى من جزر القصب العائمة، تحيط بها المياه من جميع الجهات.

انقطعت هذه العلاقة الوثيقة بالماء لحظة تهجيرهم القسري من الهور. وفي التاريخ الحديث، أدى نشوء الدولة العراقية الحديثة و ترسيم حدودها إلى سلسلة من الأحداث المتعاقبة. منذ اكتشاف النفط في جنوب العراق خلال سبعينيات القرن الماضي، مرورًا بالحرب العراقية الإيرانية في ثمانينياته، وصولًا إلى مشاريع تجفيف الأهوار التي أعقبت انتفاضة عام 1991، أسهم كل حدث من هذه الأحداث بموجة جديدة من التهجير القسري.

مقتطف من فيلم «الأهوار» لقاسم حول، العراق، 1975. بإذن من قاسم حول

وجاء الحصار المفروض عام 2024 ليشكّل أحدث حاجز في سلسلة الحواجز التي أُقيمت منذ عام 2003 تحت شعار حماية الحدود مع إيران. وأصبح صيانة الحدود مبررًا لمنع سكان الأهوار من دخول الهور. وواصل حرس الحدود توسيع نطاق سيطرتهم إلى ما يتجاوز المسافة المتعارف عليها والمحدّدة بـ500 متر، حتى امتدّ هذا النطاق إلى 35 كيلومترًا. كما جرى حفر التربة من داخل الهور نفسه واستخدامها في إقامة سواتر ترابية حوله، مع إنشاء نقطة تفتيش كل 500 متر. أدّى ذلك إلى تحويل الهور بأكمله، والأنهار والأراضي الواقعة من الجهة الغربية منه، إلى منطقة عازلة حدودية.

فبعد أن اعتاد سكان الأهوار الاستيقاظ كل يوم في مساكن لا تفصلها عن الماء سوى خطوات قليلة، وجدوا أنفسهم يُدفعون تدريجيًا إلى أماكن أبعد فأبعد عنه، إلى أن باتوا مضطرين إلى عرض مطالبهم والتماس الإذن للسماح لهم بدخول الهور بوصفهم زائرين.

جرافات مدرعة تزيل أراضي القصب في هور الحويزة، العراق، 2025. المصدر: قيادة قوات الحدود العراقية / فيسبوك
جرافات مدرعة تزيل أراضي القصب في هور الحويزة، العراق، 2025. المصدر: قيادة قوات الحدود العراقية / فيسبوك
مصطفى:
ثلاث أنهر متفرعة من نهر دجلة، الحسيچي و الزبير و أم الطوس. هذني ثلاث أنهر رئيسيين للسكان المحليين، لأنهم ينتقلون بالزوارق، فيدخلن ويصبن بالهور. وعلى الضفاف كل نهر اكو مئات القرى على كل نهر، على امتداده، وكلها تنتهي المصب بالهور.
فهم شنو مسوين، على كل نهر ونهايته حاطين تشك بوينت. واكو مداخل برية هواية لا تعد ولا تحصى، بس كلها عليها تشك بوينت.
تصريح دخول للصيادين صادر عن وزارة الداخلية، العراق، 2024. تصوير: مصطفى الأهواري
تصريح دخول للصيادين صادر عن وزارة الداخلية، العراق، 2024. تصوير: مصطفى الأهواري
مصطفى:
ما تگدر تفوت إلا يفتحون لك الباب همه، بعد ما شنو تسوي؟ تسوي تصريح أمني لمدة ستة شهور يوضح بأن إنت موجود وضمن السكان المحليين، هاي زوارق حكومية يسوون دوريات داخل الهور، وهاي بالذات تسلم هويتك الشخصية و تدخل للهور ولك وقت محدد، هو هذا الوقت المحدد، من 7:00 صباحًا لحد الـ 4:00 عصرًا، بس هذا الشي صار حديث، يعني من 2020 فما فوق، بس قبلها لا، تعطي هويتك وعادي تبات بالهور.
أنا فترة طويلة ما اقدر أروح للهور، شتسوي رايح ، لازم عندك سبب مقنع حتى تروح، وخاصةً إذا اروح وعندي الكاميرا، لا مستحيل ادخل، ما يدخلوني.
حتى أمي ظلت شگد ما تگدر تدخل الهور، ما تقدر تروح ويا أبوي، اروح اني وياه.

جعلت السلطاتُ الوصولَ إلى الهور، والذي كان مقيّدًا بشدة، مشروطًا بالخضوع لعمليات تفتيش جسدي تجريها شرطة الحدود. وكانت السلطات تدرك أن نساء الأهوار لن يقبلن بهذا الإجراء، ومن دون تقديم أي بديل، منعوهم تمامًا من دخول الهور لفترةٍ من الزمن وبالتالي من ممارسة جميع الأنشطة والتقاليد المرتبطة به. وقد أحدث هذا الإقصاء خللًا في نسيج المجتمع الأهواري.

رجل وامرأة من أهل الأهوار يصطادان السمك في هور الحويزة، العراق، 2022. تصوير: مرتضى الأهواري
رجل وامرأة من أهل الأهوار يصطادان السمك في هور الحويزة، العراق، 2022. تصوير: مرتضى الأهواري
مقتطف من فيلم «الأهوار» لقاسم حول، العراق، 1975. بإذن من قاسم حول

أما الأشخاص المسموح لهم بدخول الهور، فقد فُرضت عليهم مدة زمنية محددة للبقاء فيه. فقد اعتاد صيادو الأهوار نصب شباكهم في ساعات الليل المتأخرة، والمبيت في الهور لجمع صيدهم عند الفجر. لكن مع اقتصار الدخول على ساعات النهار فقط ، حُرم الصيادون من ممارسة هذا النوع من الصيد، وانقطع بذلك مصدر الدخل الذي كانوا يعتمدون عليه.

صياد في "شيحة"، وهي مأوى تقليدي للصيد، هور المشرّح، العراق، 2023. تصوير: مرتضى الأهواري
صياد في "شيحة"، وهي مأوى تقليدي للصيد، هور المشرّح، العراق، 2023. تصوير: مرتضى الأهواري
مصطفى:
جزيرة وسط الماي ننزل عليها ونبات. أي مكان قصب، من جوه يحشه، ويخلي القصب فوق الثاني، صارت جزيرة خلال عشرين دقيقة، هو هسه هاي حافة، منا ماي ومنا قصب، هاي غابة، هذا الطرف مال القصب، شوفوا هذا يحشونه، أنت تقدر تسوي هنانه، تسوي مربع وتبات عليه، أي مكان بالهور تقدر تبات.
إذا بالصيف يكون اكو بعوض نبني كلة، من عصر قبل لا يصير الليل ونخليها جوا المكان ونفرش جواها وننام. بس بالشتا ماكو بعوض، بس تمد فراشك وتنام.
مصطفى:
إحنا كسكان الأهوار كنا نغذي الجنوب كله بالسمچ، تجينا سيارات تشتري سمچ، من الحلة، من الناصرية، من البصرة، من المحافظات الوسطى، يجون يحملون يأخذون السمچ بالأطنان ويروحون. نبيع الحليب، كذلك تجي سيارات من المحافظات إحنا نغذيهم. السمك البني أرقى أنواع السمك الموجودة بالحويزة، كانوا يجون من بغداد، من الموصل، من أي مكان يجون سيارات، برادات مال ثلج يحملون وياخذون. هسه ماكو.

الطرق التي كانت تستخدم لنقل الأسماك والحليب من الهور إلى سائر أنحاء البلاد سابقا، أصبحت اليوم تسلكها شاحنات النفط.

لقد هيمن النفط على الاقتصاد العراقي طوال قرن من الزمن. وبدأ ذلك في ظل الانتداب البريطاني، مع الامتيازات النفطية التي مُنحت في عشرينيات القرن الماضي. وتعمّق هذا النفوذ في ظل الإمبريالية الأمريكية، التي أعادت، فتح الحقول النفطية أمام الشركات الأجنبية منذ غزو العراق عام 2003، ووجّهت عائدات النفط عبر المصرف الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وفي العقود الفاصلة بينهما، من ثمانينيات القرن الماضي و حتى الغزو، أضعفت الحروب و العقوبات، وما رافقها من تجفيف للأهوار، قدرة العراق على تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء، وأضعفت قدرته على إطعام شعبه. واليوم، يُقدَّر أن النفط يشكّل نحو 88 بالمئة من إيرادات العراق، ويُستخدم جزء منها لاستيراد الغذاء.

إن النفط الذي يموّل شراء الغذاء يكمن تحت الأهوار ذاتها التي كانت توفّره سابقا.

كتاب رسمي صادر عن مكتب محافظ ميسان يوجّه قطعات حرس الحدود وشرطة الطاقة بمنع الصيادين والرحلات من دخول المناطق الواقعة ضمن مسؤوليتها دون موافقة المحافظ، ميسان، العراق، 2026
كتاب رسمي صادر عن مكتب محافظ ميسان يوجّه قطعات حرس الحدود وشرطة الطاقة بمنع الصيادين والرحلات من دخول المناطق الواقعة ضمن مسؤوليتها دون موافقة المحافظ، ميسان، العراق، 2026
مصطفى:
أما سابقًا كنت ما معرض للفقر وللجوع، لأن أنا عندي موارد طبيعية وموجودة يمي. وسابقًا يعني حتى الشاب الأهواري، ما يفكر يحصل وظيفة بشركات نفط. كانت الشركات موجودة وماحد يروحلها، لأن هو چان يأخذ أجوره، كل يوم يحصل أجور من الهور ومن السمچ ومن الطيور ومن كل شي، أكثر من اللي يحصلونه العمال داخل الشركات النفطية.
وهذا الشي شفته بعيني أنا، لأن أنا هم اشتغلت بالشركات النفطية وسابقًا چنت أشتغل بالهور، شهر بالشركات النفطية يعادل عشرة أيام أو أقل من عشرة أيام بالهور، فهي هاي بكل بساطة بأن إحنا اعتمدنا على الأشياء اللي تستهلك مثل النفط وتتدمر، واستغنينا عن البيئة اللي هي مورد دائم ويوفر لنا أمن غذائي وسيادة غذائية.

مع القيود المفروضة لدخول الهور، اضطرت عائلات كثيرة إلى الهجرة. أما الباقون، فقد أصبح الاحتجاج وسيلةً لبقائهم. فبعد فرض الحصار، تجمّع سكان الأهوار المحليون مرارًا وتكرارًا مقابل مركز الشرطة، مطالبين السلطات بتفسير ما حدث. وعلى مدى أسابيع، لم يتلقّوا أي إجابات. وفي نهاية المطاف، خُفّفت بعض القيود تحت ضغط المحتجّين، لكن حرية الوصول إلى الهور لم تعد كما كانت.

أهالي الأهوار يحتجون على الحواجز التي أُقيمت عام 2024 عند نقطة تفتيش للشرطة بجانب نهر أم الطوس، العراق، 2024. تصوير: مصطفى الأهواري
أهالي الأهوار يحتجون على الحواجز التي أُقيمت عام 2024 عند نقطة تفتيش للشرطة بجانب نهر أم الطوس، العراق، 2024. تصوير: مصطفى الأهواري

وبينما واصل سكان الأهوار النضال من أجل حقهم في الوصول إلى الهور، كانت معدات تنقيب النفط تشق طريقها إلى داخل هور الحويزة.

محتج من أهل الأهوار يحمل رمح الصيد التقليدي، على حافة هور الحويزة، العراق، 2024. تصوير: مصطفى الأهواري
محتج من أهل الأهوار يحمل رمح الصيد التقليدي، على حافة هور الحويزة، العراق، 2024. تصوير: مصطفى الأهواري
مركبة برمائية تُستخدم في الاستكشاف النفطي تقف على القاع الجاف لهور الحويزة، العراق، 2025. تصوير: مرتضى الأهواري
مركبة برمائية تُستخدم في الاستكشاف النفطي تقف على القاع الجاف لهور الحويزة، العراق، 2025. تصوير: مرتضى الأهواري
مصطفى:
السيارات شسوت؟ عبرت الساتر، دخلت بهذه المناطق، هذه المنطقة المحرمة، اللي هي ممنوع تزرع بها وردة، لأنك راح تغير على بيئتها، مو تدخل بها معدات وتسوي نفط.

ليس النفط جديدًا على هور الحويزة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، انتشرت الحقول والآبار النفطية في أجزاء واسعة مما كان يشكّل سابقًا جزءًا من الهور. لكن هذه كانت المرة الأولى التي تصل فيها أعمال التنقيب إلى الجزء المحمي من الهور، بموجب اتفاقية رامسار، والمُدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي عام 2016.

معدات نفطية داخل هور الحويزة المحمي، شوهدت قرب مركز إنعاش الأهوار والأراضي الرطبة العراقية، العراق، 2025. فيديو: مصطفى الأهواري

تمكّن ناشطون محليون من سكان الأهوار من الحصول على مجموعة من الوثائق الرسمية، من بينها وثيقة مؤرخة في 22 مارس 2025، أرفقت فيه وزارة النفط خريطة مقسّمة بخطوط المسح الزلزالي. وطالبت الوزارة بشق ممرات بعرض عشرة أمتار على امتداد كل خط، عبر تجريف تربة الهور بالجرافات، لإتاحة مرور منصات الحفر، التي خُصّص لكل منها حفر بئر لكل 50 مترًا.

خطوط المسح النفطي المخطط لها (باللون الأحمر) عبر هور الحويزة، من خريطة شركة الاستكشافات النفطية، العراق، 2025
خطوط المسح النفطي المخطط لها (باللون الأحمر) عبر هور الحويزة، من خريطة شركة الاستكشافات النفطية، العراق، 2025
كتاب من شركة الاستكشافات النفطية العراقية الحكومية يطلب الإذن لفرقة مسح زلزالي بفتح مسارات والحفر داخل هور الحويزة، العراق، 2025
كتاب من شركة الاستكشافات النفطية العراقية الحكومية يطلب الإذن لفرقة مسح زلزالي بفتح مسارات والحفر داخل هور الحويزة، العراق، 2025

تندرج هذه الممرات ضمن خطة أوسع لحقل الحويزة النفطي، الذي يمتد عبر الحدود العراقية الإيرانية. وفي عام 2018، أُحيل الحقل إلى شركة "جيو-جيد بتروليوم" الصينية. ويمتد التنقيب عن النفط اليوم على مساحة تقارب 300 كيلومتر مربع، من الفكة إلى المشرّح. وقد استحوذت 11,000 نقطة استكشاف حتى الآن آخر ما تبقّى من مياه الهور لصالح النفط.

لافتة طريق تشير إلى البئر النفطية HWZ-1 قرب هور الحويزة، العراق، 2025. تصوير: مرتضى الأهواري
لافتة طريق تشير إلى البئر النفطية HWZ-1 قرب هور الحويزة، العراق، 2025. تصوير: مرتضى الأهواري
علامة مسح خرسانية وحفرة محفورة على سدة ترابية، هور الحويزة، العراق، 2025. تصوير: مرتضى الأهواري
علامة مسح خرسانية وحفرة محفورة على سدة ترابية، هور الحويزة، العراق، 2025. تصوير: مرتضى الأهواري
محتج يحمل قصباً من الهور وسمكة تحت لافتة حقل الحويزة النفطي التابع لشركة نفط ميسان، العراق، 2024. تصوير: مرتضى الأهواري
محتج يحمل قصباً من الهور وسمكة تحت لافتة حقل الحويزة النفطي التابع لشركة نفط ميسان، العراق، 2024. تصوير: مرتضى الأهواري
احتجاج لأهالي الأهوار. ميسان، العراق، 2024. تصوير: مصطفى الأهواري
احتجاج لأهالي الأهوار. ميسان، العراق، 2024. تصوير: مصطفى الأهواري
مرتضى:
على مود التوسع النفطي الناس فعلاً جاية تهاجر والناس تتظاهر على مستوى أربع تظاهرات بس بالكحلاء وأربع تظاهرات بالمشرح، ولا مسؤول حكومي رسمي إجا ودگ صدره أو وعد.
أهالي الأهوار يحتجون على النشاط النفطي داخل هور الحويزة، العراق، حزيران 2025. فيديو: مصطفى الأهواري

انضمّ إلى الاحتجاجات كلب ماءٍ محنّط، وجمجمةُ جاموس، ورمحٌ للصيد، لتجسّد جميعها أشكال الحياة التي تهدّدها صناعة النفط، إلى جانب حياة سكان الأهوار. وقد عكس موقع كلّ احتجاج العلاقة بين البنية التحتية والظلم؛ إذ أغلق المحتجّون الطريق الذي تسلكه شاحنات النفط، واحتجّوا عند فتحة الجسر المسدودة التي اعتادوا أن يعبروا من تحتها بالقوارب للدخول إلى الهور، ونظّموا اعتصامات أمام مركز الشرطة ونقاط التفتيش التي كانت ترفض منحهم الإذن برعي جواميسهم أو صيد الأسماك أو جمع القصب، كما أحاطوا بمنظّم المياه الذي يتحكّم في كمية المياه الواصلة إلى أنهارهم وأهوارهم.

محتجون من أهل الأهوار يقطعون جسراً تستخدمه الصهاريج النفطية، الكحلاء، ميسان، العراق، 2025. تصوير: مصطفى الأهواري
محتجون من أهل الأهوار يقطعون جسراً تستخدمه الصهاريج النفطية، الكحلاء، ميسان، العراق، 2025. تصوير: مصطفى الأهواري
تفصيل من خريطة للعراق أعدّتها وزارة الحربية البريطانية، حوالي 1935، تُظهر هور الحويزة ممتداً من إيران حتى العمارة. بإذن من Barry Lawrence Ruderman Antique Maps، عبر موقع raremaps.com
تفصيل من خريطة للعراق أعدّتها وزارة الحربية البريطانية، حوالي 1935، تُظهر هور الحويزة ممتداً من إيران حتى العمارة. بإذن من Barry Lawrence Ruderman Antique Maps، عبر موقع raremaps.com
مصطفى:
جدي يسولفلي، يقول بأيام الفيضانات، الهور يوصل لمنطقة اسمها الكحلاء، بعيدة الكحلاء، 30 كيلو، أني اتعجبت، هاي المنطقة كلش بعيده، الموضوع مو منطقي، قلتله شلون هيچ يوصل الهور؟ بعدين رجعت للخريطة مال هور الحويزة بالسبعينات، شفت هاي الحقول النفطية وهاي الناس، هاي كلها ماكو، هذا كله ما موجود، هذا كله غابات قصب وهور. هي هاي الصدمة اللي شفتها أني، هسه هذا حقل الحويزة اللي احنا مارين بيه هاي، تشوفونها كلها هاي النقاط الحمر، هاي كلها ما چانت موجودة، هاي كلها، لحد هنا كلها ما موجودة.

المزيد من القصص قريبًا

0:00 / 0:00